سيد محمد طنطاوي

59

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولأنه اشترط الحدث في البدل وهو التيمم ، فلو لم يكن له مدخل في الوضوء مع المدخلية في التيمم لم يكن البدل بدلا . وقوله - تعالى - * ( فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ) * صريح في البدلية . ويحكى عن داود الظاهري أنه أوجب الوضوء لكل صلاة لأن النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم والخلفاء من بعده كانوا يتوضئون لكل صلاة ، ورد بأن فعل النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم والخلفاء لا يدل على أكثر من الندب والاستحباب وقد ورد : « من توضأ على طهر كتب اللَّه - تعالى - له عشر حسنات » « 1 » . وقوله : * ( فَاغْسِلُوا ) * من الغسل وهو إمرار الماء على المحل حتى يسيل عنه وزاد بعضهم : مع الدلك . وقوله : * ( بِوُجُوهِكُمْ ) * جمع وجه . وهو مأخوذ من المواجهة . وحد الوجه من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى الذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا . والمرافق : جمع مرفق - كمنبر ومجلس - وهو ملتقى عظم العضد بعظم الذراع . والكعبين : تثنية كعب . وهما الجزءان البارزان في أعلى القدم . والمعنى : يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون حدثا أصغر ، فاغسلوا وجوهكم ، أي : فأسيلوا الماء على وجوهكم ، وأسيلوه أيضا على أيديكم إلى المرافق وامسحوا بأيديكم المبللة بالماء رؤسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين . وهنا توسع الفقهاء وبعض المفسرين في ذكر مسائل تتعلق بهذه الآية نرى من الواجب الإلمام بأهمها فنقول : أولا : أخذ جمهور الفقهاء من قوله - تعالى - * ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ) * إلخ أن الوضوء لا بد فيه من القصد إليه وإرادته لأجل الصلاة لا لأجل أي شيء آخر كالنظافة وغيرها مما يشبهها ، وذلك لأن الوضوء عمل من الأعمال التي يقصد بها المسلم الطاعة للَّه ، والنبي صلى اللَّه عليه وسلَّم يقول : « إنما الأعمال بالنيات » وعليه تكون النية ركنا من أركان الوضوء ، فإذا لم يقصد بوضوئه إرادة الصلاة وابتغاء رضاء اللَّه ، لم تكن صلاته بهذا الوضوء صحيحة . وقال الأحناف . إن النية في الوضوء ليست بفرض . لأن الوضوء ليس عبادة مقصودة لذاتها . وإنما هو وسيلة لغيره وهو الصلاة ، والنية إنما هي شرط في العبادة نفسها وهي الصلاة باعتبارها المقصد ، وليست شرطا في الوسيلة وهي الوضوء . وعليه فالوضوء يتحقق بغسل ما يجب غسله من الأعضاء المعروفة ، ومسح ما يجب مسحه

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 69